صيد الطيور في لبنان… مسؤولية وليس همجية

في صباح لبناني هادئ… تخرج الطيور من أعشاشها.
تحلّق فوق الأشجار والوديان. تقطع مسافات طويلة بحثًا عن الغذاء والأمان.
بعضها وُلد هنا، وبعضها يمر فوق لبنان في رحلة طويلة بين مواطن التكاثر ومناطق الشتاء.
وفي مكان آخر، قد يكون هناك صياد يحمل بندقيته.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل يمكن أن يكون الصيد رياضة وهواية وتراثًا… من دون أن يتحول إلى مجزرة؟
الجواب نعم. بل إن الصيد المسؤول لا يمكن أن يستمر من دون حماية الطبيعة التي تمنحه معناه.
فإذا اختفت الطيور، ماذا يبقى من الصيد؟ وإذا تحولت مواسم الهجرة إلى مواسم قتل عشوائي، ماذا سيبقى للأجيال المقبلة؟ وإذا أصبحت السماء اللبنانية خالية من الطيور، فلن تكون الخسارة للصياد وحده.
سيخسر لبنان جزءًا من طبيعته.

لبنان… ممر للطيور المهاجرة
موقع لبنان الجغرافي يجعله جزءًا من مسارات مهمة للطيور المهاجرة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. وهذا يجعل مسؤولية حماية الطيور أكبر. فالطائر الذي يمر فوق لبنان ليس بالضرورة «طائرًا لبنانيًا».
قد يكون في رحلة آلاف الكيلومترات. وقد يكون في طريقه إلى مكان تكاثره. وقد يكون عائدًا إلى موطنه بعد رحلة طويلة. ولهذا فإن إطلاق النار العشوائي على الطيور لا يؤثر فقط في أعداد الطيور الموجودة في لبنان، بل يمكن أن يؤثر في جماعات مهاجرة بأكملها.
صيد الطيور… حق ينظمه القانون
أنشأ القانون رقم 580 المجلس الأعلى للصيد البري، وضم إليه ممثلين عن وزارات ومؤسسات وخبراء في البيئة والطيور والثدييات وممثلين عن قطاع الصيد والجمعيات البيئية.
وبناء عليه، يحدد وزير البيئة مواعيد افتتاح وانتهاء موسم الصيد والأوقات المسموح خلالها بالصيد، مع مراعاة مبدأ استدامة التراث الطبيعي، ومنع الصيد خلال مواسم تكاثر الحيوانات والطيور وأثناء عبورها إلى أماكن التكاثر أو أثناء رعايتها لصغارها.
والقانون ينص على أن وزير البيئة يحدد الطرائد التي تصنف كطرائد صيد والمسموح بصيدها وفي أوقات معينة.
أما جميع الطيور والحيوانات البرية المقيمة والمهاجرة، باستثناء ما يحدد كطرائد صيد، فتعتبر محمية ويحظر صيدها.

أي أن القاعدة ليست: «رأيت طائرًا فأطلق النار.»
بل: «هل هذا النوع مسموح صيده في هذا الموسم وفي هذا المكان وبهذه الطريقة؟»
والفرق بين الجملتين هو الفرق بين الصيد المسؤول والمجزرة.
المسموح… باختصار
بحسب القانون، الصيد المسموح هو الصيد الذي يجمع مجموعة من الشروط، وليس مجرد حمل بندقية.
✔ أن يكون النوع من الطرائد المسموح صيدها
فالوزير يحدد الأنواع التي تدخل ضمن طرائد الصيد والأوقات الخاصة بها.
✔ أن يكون الصيد خلال الموسم والأوقات المحددة
يحظر القانون الصيد خارج الأوقات المسموح بها.
✔ أن يحمل الصياد رخصة صيد
الرخصة شخصية وسنوية وتصدر عن وزارة البيئة، ويجب أن تكون بحوزة الصياد أثناء ممارسة الصيد.
✔ أن تكون رخصة السلاح قانونية
القانون يشترط، ضمن المستندات المطلوبة، رخصة قانونية لحمل السلاح المستخدم للصيد.
✔ وجود بوليصة تأمين ضد الغير
القانون يشترط أيضًا بوليصة تأمين خاصة بالأضرار التي قد تلحق بالغير نتيجة ممارسة الصيد.
والممنوع؟
القانون يمنع مجموعة كبيرة من وسائل الصيد التي يمكن أن تحول الصيد إلى عملية استنزاف جماعي للطيور.
❌ الدبق
❌ الشباك
❌ المصايد والأشراك
❌ الطيور العائمة الاصطناعية والطبيعية
❌ الطعم والصيد المحبوس
❌ الأنوار الكاشفة
❌ السموم
❌ الغازات والدخان
❌ الآلات الكهربائية
كل هذه الوسائل ممنوعة بموجب القانون.
ويمنع القانون استخدام أجهزة التسجيل التي تصدر أصواتاً شبيهة بأصوات الطيور والحيوانات لجذبها، كما يمنع مطاردة الطرائد بواسطة السيارة أو الطائرة.
والقانون يحظر طوال السنة: انتزاع الأعشاش، أو أخذ أو إتلاف أو بيع أو شراء أو نقل أو التقاط أو إيذاء بيوض أو فراخ أو صغار الحيوانات والطيور البرية.
أيها الصياد، كن إنسانًا:
لا تقتل أماً في موسم تربية صغارها.
لا تأخذ فرخاً من عشه.
لا تعبث بالعش.

أين يمنع الصيد؟
هناك أماكن لا ينبغي أن تتحول فيها البندقية إلى مصدر خطر أو إزعاج. لذا يحظر القانون الصيد في:
- المدن.
- القرى.
- أماكن التنزه.
- الحدائق العامة.
- المحميات الطبيعية.
- الأماكن المصنفة تراثية.
- المناطق الجبلية عندما تغطيها الثلوج بالكامل.
كما يحدد القانون مسافة لا تقل عن 500 متر من أماكن السكن ودور العبادة والمنشآت العامة والخاصة.
ويمنع أيضاً عرض الطرائد المصطادة خارج السيارات وعلى الطرقات العامة.
ما هي عقوبة مخالفة قانون الصيد؟
قانون الصيد رقم 580 وضع الإطار العام، لكنه ينص على أن وزير البيئة يحدد مواسم الصيد ومواعيده والطرائد المسموح صيدها بناءً على اقتراح المجلس الأعلى للصيد البري.
على الصياد التأكد من قرار فتح الموسم والأنواع والأوقات المسموح بها في السنة التي يريد ممارسة الصيد خلالها.
فالصيد خارج الموسم أو الأوقات المسموح بها يمكن أن يؤدي إلى الحبس والغرامة وسحب رخصة الصيد من سنة إلى ثلاث سنوات وفق النص المرفق.
أما الصيد من دون رخصة، أو باستخدام وسائل محظورة، أو صيد الطيور المفيدة أو الممنوع صيدها، فيخضع لعقوبات تشمل الحبس والغرامة، مع مصادرة السلاح المستعمل نهائيًا في الحالات التي حددها القانون.
وفي حال التكرار، ينص القانون على تشديد الغرامة، وتطبق أحكام التكرار أيضاً على مخالفات حماية الأعشاش والبيوض والفراخ وعلى صيد الأنواع المهددة بالانقراض.
ماذا يحدث عندما تختفي الطيور؟
الطيور جزء من منظومة بيئية مترابطة.
بعضها يساهم في مكافحة الحشرات. وبعضها ينقل البذور. وبعضها جزء من السلسلة الغذائية.
وبعضها مؤشر على صحة النظام البيئي. وعندما تتراجع أعدادها، لا نخسر جمال السماء فقط.
نخسر جزءًا من التوازن الطبيعي.
لبنان قلبي…

في بلد صغير مثل لبنان، كل شجرة لها قيمة.
كل غابة لها قيمة. كل نهر له قيمة. كل وادٍ له قيمة.
وكل طائر يحلق في سمائنا له مكان في هذه الحكاية.
قد يختفي الطائر من أمام أعيننا خلال ثوانٍ. لكن غيابه عن الطبيعة قد يستمر سنوات.
لذلك، عندما نرفع أعيننا إلى السماء ونرى سربًا من الطيور يعبر فوق لبنان، فلنتذكر أن هذه ليست مجرد طيور.
إنها جزء من لبنان الذي نحب.
فلنترك لها مساحة في سمائنا. ولنترك لها أعشاشها. ولنترك لها صغارها.
ولنترك لأطفالنا فرصة أن يروها كما رأيناها نحن.
الصيد الواعي لا يعني أن تتخلى عن هوايتك…
بل يعني أن تحب الطبيعة بما يكفي كي لا تقتلها.




